Kuwait-University-Journal-of-Law-header
البحث
Journal of Law

الأعداد السابقة

بحث متقدم
السنة : من إلى المجلد
العدد التخصص
المؤلف

 السنة :13 العدد : 52 1995      أضف إلى عربة التسوق                                                                    تنزيل

البعد التاريخي لأزمة الفكر العربي المعاصر

DOI :

المؤلف : إسحق عبيد

كان العرب في العصور الوسطى عباقرة العالم، وباتت اللغة العربية منذ القرن الثامن حتى نهاية القرن الحادي عشر لغة العلم الراقي عند الجنس البشري كله، حتى بات ضروريا لأي فرد قي الغرب الأوروبي كي يلم بثقافة العصر أن يتعلم اللغة العربية.
وفي حين انطلق الغرب الأوروبي من عصر الظلمات إلى عصر إلهامات الحياة الجديدة ، كتب على العالم العربي أن يصاب بنكسة خطيرة عندما وقع في قبضة السلاطين المماليك فالعثمانيين لمدة تربو على قرون سبعة. ويصور لنا المؤرخون المعاصرون، ومن بينهم ابن تغري بردي (قرن 15 م ) وابن إياس (قرن 16 م) ، الأحوال المتردية لأمصار العالم العربي من فقر وأوبئة ومجاعات وعقم في الفكر ، بحيث توارت الجرأة الفكرية وتاه المسعى التجريبي والفضول العلمي وإرادة التأثير في المصير ، ووقع الناس من خاصة وعامة فريسة للفكر الوهمي والغيبيات والتوقف لوصول المهدي المنتظر!
ثم صدم العالم العربي صدمة كبرى سنة 1798 بما شهدوه في حملة بونابرت على مصر والشام من سلاح وعتاد ومطابع ومعامل أبحاث ، وقد سجل أثر هذه الصدمة بذكاء مرموق الشيخ عبدالرحمن الجبرتي. وبعد أن عاد الشيخ رفاعة رافع الطهطاوي من بعثته في باريس (ت1873م) أخذ ينبه إلى ضرورة الإفاقة من الغيبة العقلية. وقد تبعه نفر من دعاة الإصلاح وعلى رأسهم الشيخ جمال الدين الأفغاني، والشيخ محمد عبده ، والشيخ محمد رشيد رضا. ثم ظهرت دعوة قاسم أمين لتحرير المرأة، وتبعتها إنجازات أحمد لطفي السيد وطه حسين وغيرهم كثيرون في طرح قضايا فكرية تتصل بفلسفة العلوم والتمرد على النزعات الميتافيزيقية.
وبعد مرحلة التحرر من قبضة الاستعمار، استبشر الناس خيرا بنسيم الحرية والانعتاق من مخالب الأجنبي. غير أن مفكري هذه الحقبة سواء من أهل اليسار أو أهل اليمين وقعوا في مصيدة الأدلجة. كما وأن بعض الحكومات الوطنية نظرت إلى هذه الايديولوجيات المستوردة بشيء من الريبة والتوجس. ثم ما لبثت هذه الأفكار أن أثبتت إفلاسها في الشارع العربي . وليس غريبا في هذا المناخ أن يتلمس الشباب العزاء والإلهام من الماضي السعيد والسلف الصالح. وفي هذه الدوامة الفكرية غابت عن الساحة مفاهيم خطيرة مثل حسن التوجه والقدرة على الاستبصار، وفكرة القرية العالمية والنظرية الشمولية للكون (Holism).
ولهذا فإن الفكر العربي في وضعه الراهن لا يحتل ولو موقعا هامشيا في الفكر العالمي، وليس له وزن يعتد به كثيرا في الأروقة العلمية المتعددة، ولا حتى في التخصصات الضيقة على مستوى الجامعات ومراكز البحث والمؤسسات الأدبية. وينبغي على المفكرين العرب أن يدركوا أن الأوقات الحالية بتحدياتها اليومية هي أوقات التعددية والتنوع، حتى إن البعض قد استبدلوا بمقولة دارون (البقاء للأصلح) مقولة جديدة هي البقاء للمتنوع. وعليه فإن المجتمعات أحادية الثقافة (monoculture ) سوف تنكفئ على نفسها وتكتب على نفسها العزلة أولا ثم الاندثار بعد ذلك. وتفصح سجلات التاريخ لمن يعيها عن أن الحضارات أحادية الايديولوجية كانت بمثابة (عقلية الجيتو) (ghetto mentality) والتي انتهى بها الأمر إلى حالة من الطغيان ثم السقوط المروع ن والأمثلة على ذلك كثيرة.
وللخروج من الأزمة ينبغي على المفكرين العرب أن يتحولوا عن قناعة من معسكر الرفض والتمرد إلى نهج المفكر المصلح البناء والإيجابي. وينبغي أن يواكب هذه الفلسفة الجدية تغيير جذري في مناهج مؤسساتنا التعليمية من الحضانة إلى الجامعة، لآن السياسة التعليمية الحالية معاكسة للفكر الصحيح (Anti-intellectual)  لأنها لا تشجع على المبادرة أو الإبداع وإنما تنصب أساسا على الاستظهار والترديد العقيم. كذلك لابد من مشاركة القاعدة الشعبية العريضة في الريف والحضر مع (الصفوة) في محصلة الفكر، لأن الإبداع الفكري ليس حكرا على الطبقات المتعلمة: فالإنسان البسيط في تعامله اليومي مع فنون الحياة في كل المناحي شريك هام في الحضارة والفكر.
وأخيرا فإن النهمة الوعرة الملقاة على عاتق المفكرين العرب هي أن تصبح امتنا مصنعا للحضارة وليست مجرد (متحف) لها، وذلك دون حساسية بعقدة الدونية حينا أو بعصاب الاستعلاء حينا آخر.

Journal of Law
Journal of Law

أنت الزائر رقم

98301

Journal of Law
Journal of Law
أخبر أصدقاءك Journal of Law
Journal of Law
Journal of Law

التحديث الأخير

08-12-2019

Journal of Law
Journal of Law
Journal of Law

يرجى إدخال بريدك الإلكتروني
هنا لتستلم أخبارنا

Journal of Law